الجمعة، 1 يونيو، 2012

أولاد حارتنا - شفيق الذل - الجزء الأول ( ثلاثية انتخابية )

حارتنا حارة الفقر والحقارة، هي أقرب إلى ممر يصل – أو يفصل – بين حارة المرشدي وحارة الذيول العظيمتين والمتناحرتين دائماً. لا شئ فيها يتحرك إلا ملك الموت وذرات الغبار، تتابع الأيام يطوي الليل النهار ثم يبدد النهار الليل في دورة بطيئة ومملة، تشرق الشمس كل يوم على رابح يستقل النعش المهترئ في رحلته الأخيرة والوحيدة إلى دار الأمان على أطراف الصحراء – إلى المقابر – وتغرب على بكاء منحوس جديد يعوض من ذهب، ويدعوا للتساءل لماذا يتناسل من يرى جانب الحياة القاسي المظلم – محض أنانية - .. ولكن دوام الحال من المحال.

لكل حارة في حينا فتوة تُسمى الحارة باسمه، إلا حراتنا فلا فتوة لها ولكن لها أسم، فالطعام الفاسد تعافه الأنفس حتى الجائع منها، وحارتنا حارة الجوع والفساد، فانعدام المال وكثرة الأفواه منع فتوات حارتي المرشدي والذلول من السعي في السيطرة على حارتنا تحت غطاء كاذب سُمي بالمعاهدة: فقديما في أول الزمان قامت معركة عظيمة يين المراشدة والذيول للسيطرة على حارتنا ولما زاد عدد القتلى وكاد الفتوات يفنون بعضهم بعضاً لولا تدخل فتوة الحي حَنَش الذي أعلن أن حارتنا لا تتبع أحداً وأنها حد فاصل بين الحارتين، ومن هنا جاء أسم حارتنا " الحد ".
عاشت حارتنا حداً وكانت لتموت حداً لولا نزول فاطمة بائعة الشاي بها، بدوية جاءت مع أبيها الأعمى، ظهرت فجأة كأنما انشقت عنها الأرض، كأنما أراد القدر أن يحرك المياة الراكدة في حارتنا فأولد هذا البركان.. شابة في العشرين، جسد رشيق نحتته رياح الصحراء، بشرة برونزية شكلتها الشمس على أجمل ما يكون، وعين مُكحلة على طريقة البدو التي تأثر القلوب، إذا ابتسمت انبعث من بين شفتيها سحر يوقف الزمن، يوقف الكون، ترتدي ثوب البدو المطرز كثير الألوان، وتنحسر طرحتها عن شعر غجري مجنون، تحمل عدة الشاي وتجوب أركان حارتنا يتبعها والدها الأعمى الذي يتغنى بلهجة بدوية " اشرب الشاي ياللي توحد الله ".

انتشرت سيرة البدوية كما تنتشر النار في الهشيم، فقدحت نار العشق عند رجال حارتنا وأشعلت جحيم الغيرة في النساء، تحجج الرجال بشُرب الشاي فقط لينالوا ابتسامة تقطر بلسماً يرطب حروق الدنيا الراقدة في البيت، تنافس الشباب في إظهار قوتهم في معارك مفتعلة في طلب نظرة إعجاب من عين الحياة المُكحلة، أما النساء فقد أدركن خطورة الموقف وشدة المنافسة، إمتلأت حمام الحارة بالمُستحمات، جمع العطار مكاسب العام كله في أسبوع واحد، وشق نهر الجمال طريقه في شوارع حارتنا الفقيرة، تغيرت الحارة وامتلأت بالحياة وتغنى المغني " الجمال جمال الروح .. يا روح ما بعدك روح " .. ولكن دوام الحال من المحال.

لم يقف سحر فاطمة على حدود حارتنا بل امتد إلى الحارات المجاورة، توافد الرجال إلى الحد ليشاهدوا اسطورة الغجرية كحيلة العين ولتتشبع أرواحهم بعبق الحب والجمال. وفيما الشمس تذوب في بحيرة الشفق الدامية والسمرة تلون حواشي الآفاق شق حارتنا رجل ضخم الجثة أنيق الملبس دميم الوجه، يخطوة الخطوة ثم يُتبعها بضربة من نبوته الأسود فتهتز لوقعها – الضربة – أرض الحارة وقلوب ساكنيها، تدارى الرجال في الزوايا بعيدا عن العملاق ذو النبوت، وأغلقت الحوانيت أبوابها، هرولت النساء في صمت لتحمل صغارها المعترضين إلى داخل البيوت وتغلقن الأبواب وشراعات النوافذ التي يقفن من وراءها في إنتظار ما سيحدث.

إتجه المعلم شفيق الذل إلى موقف فاطمة، وقف أمامها، التفت إلى العجوز الجالس بجوار عدة الشاي يرتل القرآن وقال موجهاً الحديث إلى فاطمة "واحد شاي من أيدك الحلوة " .. التي ألتفت في رعب لتلبية طلب العملاق، جرت عيناه على حركة جسدها وانحناءاته واستقاماته قبل أن يهز رأسه في طرب ويبتسم ابتسامة قبيحة ذات معنى أبرزت الندوب البارزة في وجهه، تلك الندوب التي ترسم طريقه المفروش بالقتلى نحو فتونة حارة الذيول ويذكر الناسي بقسوته التي تتخطى قسوة الوحوش في البرية، توقف العجوز الأعمى عن الترتيل للحظات إثر سماع الصوت الغليظ القاسي - حتى في التدلل – قبل أن يعاود القراءة بصوت أعلى كأنما يحاول أن يطرد الشيطان الذي نزل بالمكان فجأة.
رحل المعلم شفيق كما أتى بعد أن شرب الشاي وأشبع عينيه من جمال فاطمة – ولو مؤقتاً ، رويدا رويدا عادت الحياة إلى الحارة، فظهر المختبؤن في الزوايا وعاودت المحلات فتح أبوابها وعاد الأطفال للجري والصراخ في شوارع الحارة، ألقى المارة نظرة مُشفقه على فاطمة التي جف الدم في عروقها، فكلٌ يعرف معنى زيارة شفيق الذل، وكلٌ يدرك المصير المظلم الذي قادها إليه جمالُها، مصير لا منجي منه إلا الموت أو معجزة ... فهل أفلت شمس المعجزات بعد؟


........................... يتبع

هناك تعليقان (2):

  1. أحسنت يا فنان .. متابع

    ردحذف
  2. أحسنت توصيف الوضع والله
    منتظرة اعرف البدوية هتروح فين بينهم

    ردحذف