الاثنين، 26 سبتمبر، 2011

رجل بلا قلب



خلت الصحراء من الأصوات إلا صوت حوافر بغلة تطوي الرمال طيا, وخلت من الأضواء إلا انعكاس ضوء النجوم على وجه راكب البغلة . فكه العريض وأنفه المدبب يوحيان بالقوة, بشرة برونزية توحي بطول الأسفار, وعينان تائهتان في بحور الأسئلة, يرتدي عباءة سوداء ترفرف من خلفة فتحسبه على بغلته السوداء - التي ابتلعها الظلام - شبحا يسري .

وصل المسافر إلى مدينة الألوان, مدينة ذات أسوار عالية, تفصل – الأسوار-  ألوانها عن سواد الصحراء المحيطه, تراها ليلا كأنها حلقة من النور تطفوا فوق الظلام, لكز المسافر بطن البغلة لتسرع نحوها عله يهتدي إلى ضالته في تلك المدينه التي اشتهرت بألوانها البراقه. دخل المدينة من بابها الشرقي وهو الأكبر من بين أبواب المدينه الأربعه, نظر إلى وجوه البشر فوجد السعادة, فسأل عن سرها فأجاب المجيب " ألا ترى ؟؟ ", هام في المدينة أياما يشاهد ألوانها ويبحث بينها - الألوان - عن الإجابات, نظر إلى السماء الزرقاء بما يتخللها من سحابات بيضاء فلم يهتد, نظر إلى الشمس ترسل أشعتها الذهبية إلى الأرض فلم يهتد, زار البحر الذي يحد شمال المدينة, جلس على الشاطئ يشاهد أمواجا تلاحق أمواجا, شاهد الزرقة التي لا تنتهي, شاهد مراكب الصيادين, شاهد النوارس تحلق وتهبط فلم يهتد, الشوارع نظيفة مستقيمة مرصوفة, تحتضن البيوت بعضها بعضا في تناسق رائع, زاد تناسق ألوانها من روعة تناسق معمارها, ولكن كل هذه الروائع لم تلهمه الإجابات, ولم ترسم في نفسه لوحة السعاده, زادت الحيرة, واشتد الألم " لماذا لا أرى ما يرون ؟؟ " سأل نفسه ثم رحل .

رحل المسافر من بوابة المدينة الغربية وهي الأجمل بين الأبواب الأربعة, ولكنه لم يلاحظ أو قل لم يرى ذلك الجمال . اتجه بمحاذاة البحر يتتابع عليه نهار قائظ وليل حالك,  وفيما هو يبيت ليله من اليالي في كهف الجبل العظيم الذي يشق الصحراء, تهادى إلى مسامعه صوت عزف من وراء الجبل, في الصباح قرر البحث عن مصدر الصوت, فوجدها مدينه الألحان .

 مدينة عظيمة لا تحدها أسوار, طليت بيوتها جميعا بالأسود, كأنما خلت من الألوان ,  لكز المسافر بطن البغلة لتسرع نحو المدينه عله يهتدي إلى ضالته فيها, تلك المدينه التي اشتهرت بألحانها العذبة وغناء أهلها المستمر, المدينه بلا أسوار تعيق سريان النغم في الأنحاء, دخل المدينة من أحد شوارعها التي تلاحمت مع الصحراء حتى اختفت الممرات تحت صفرة الرمال . لا صمت في مدينة الألحان, فالناس هنا يغنون في سعاده كأنما كلامهم كله غناء, تشدوا العصافير بأجمل الألحان, تهدر مياه البحر من بعيد, هفيف الرياح يحمل ألحانا من الماضي, حتى الديكة هنا يختلف صياحها فهو ليس الصياح المزعج بل هو العزف الرائع, تختلط الأصوات لينتج لحن السعادة, وجد السعادة في أصوات البشر فسأل عن مصدرها فأجاب المجيب بصوت مغني " ألا تسمع ؟؟ ", لم يسمع أو قل لم تهز الأصوات الجميلة أوتار قلبه,  زادت الحيرة, واشتد الألم, تساءل  " لماذا لا أسمع ما يسمعون ؟؟ " ثم رحل .

هام المسافر في الصحراء, يقود البغلة كأنما تقوده, لا يدري إلى أين يذهب ومن أين يأتي, معذب في جحيم الحيره واليأس, لا يعرف سببا لعناءه, وفيما البغلة هائمه في الصحاري يعلوها المسافر راكبا لا قائدا رأى - المسافر - شجره يستظل بظلها عجوز, نزل المسافر من على ظهر البغلة  مدفوعا باللا شعور نحو العجوز وجلس أمامه, رفع العجوز عينه إلى المسافر وقال " مالي أرى في عينيك الحيره ؟؟ وأحس في وجودك العذاب ؟؟ " فقص على العجوز رحلته الطويله بحثا عن السعاده, وكيف انه يرى الناس سعداء ولكن ما يسعدهم جميعا لا يسعده, كيف أن ألوان مدينة الألوان وألحان مدينة الألحان لم تسعده كما أسعدت غيره, تبسم العجوز وقال " العين وحدها ترى, الأذن وحدها تسمع, الجسد وحده يحس, ولكن لتنظر وتنصت وتشعر لا بد أن يكون لك قلب, بني قبل أن تبحث عن عينك واذنك ابحث عن قلبك " شكره المسافر ووقف, امتطى البغلة, ولكز بطنها في اتجاه مدينة القلوب   .................................................. تمت .               
   

هناك تعليقان (2):