الجمعة، 6 أبريل، 2012

اللص ( قصة قصيرة من مجموعة " المجنون والقمر " )



استدعاني المدير إلى مكتبه ليبلغني بأنه قد تم خصم خمسين جنيهاً من المرتب عقاباً لي على تأخُري الدائم، لطالما استدعاني ليمسح بكرامتي أرض مكتبه الفخم ولكنها المرة الأولى التي تمتد يده إلى مرتبي.

كان الخصم هو القشة التي قصمت ظهر البعير؛ فالمرتب بالكاد يكفيني، وخصم خمسين جنيهاً تعني الموت جوعاً، أو الطرد من الشقة، لذلك قررت أن أنفذ الخطة.



لم تكن الخطة إلا دعابة ألقاها أحد أصحابي – العاطلين - الذين لم يرزقهم الله بوظيفة ولكنه رزقهم بالوفير من الحشيش.
جلسنا ذات يوم في جلسة أُنس، وبعد أن دارت السيجارة دورتين ولعب الحشيش بعقولنا أخذت أشكو قسوة الوظيفة، وتعسف المدير، وقلة المرتب، شد صاحبي نفساً طويلاً من السيجارة، سعل سعلتين كادتا تقذفا برأتيه من جوفه، ثم ضحك بدون سبب وقال " مش انت معاك مفتاح الخزينة؟ اسرقها واهرب، بس متبقاش تنسانى لما تزهزه معاك "



ضحكت من الفكرة في بادئ الأمر، عددتها تخريف من تخاريف الحشيش، وتناسيتها باعتبارها مستحيلة التنفيذ، ولكن الفكرة رست في أعماق اللاوعي، وكانت تعاود الظهور على السطح كلما سَمِعتُ شخشخة مفاتيحي، أو رأيت الخزينة الرابضة في زاوية مكتبي.



ما أن أخبرني المدير بخصم الخمسين جنيهاً حتى عاودت الفكرة الظهور، وسيطرت على كل تفكيري، واعتبرتها أمراً واجب لا مفر منه.
بدأ عقلي المنهك وبطني الجوعان في تحويل الفكرة المستحيلة إلى خطة قابلة التنفيذ.



كنت قد تغيبت في يوم التنفيذ عن الحضور إلى العمل بحجة المرض. جلست في القهوة المقابلة للعمارة التي تسكن فيها شركتنا أراقب الموظفين وهم يغادرون إلى أن رأيت عم عبد المولى الفراش فأدركت أن الشركة قد خلت تماماً؛ فالفراش هو أخر من يغادر وأول من يأتي، والوحيد بجانب المدير الذي يملك مفاتيح شقة الشركة.

بعد أن هدأت حركة المارة في الشارع، وزحف الظلام على الشارع والعمارة والقهوة، قمت من مجلسي على القهوة واتجهت نحو العمارة، وقفت في مدخلها متستراً بظلامه أنظر إلى الشارع لأتأكد أن أحداً لا يتبعني أو يشك في تصرفي، فلما لم يلتفت إلي أحد من رواد القهوة المشغولين بأحاديثهم وألعاب النرد اطمأننت إلى ناحية الشارع.
ثم أرهفت السمع إلى داخل العمارة، لأتأكد من خلو السلم إلى الشركة في الدور الثاني، فوجدت العمارة غارقة في الصمت. ألقيت نظرة أخيرة سريعة على الشارع ثم انطلقت في رحلتي إلى الدور الثاني.



أضع على " درابزين " السلم، يدا متعرقة مرتعشة من شدة التوتر، احاول أن استمد الشجاعة من صلابته. أضع اليد الأخرى على صدري كأنما أكتم صوت دقات قلبي العالية السريعة محاولاً منع تسربها من بين ضلوعي. العمرة غارقة في الصمت تكاد جدرانها تردد صدى دقات قلبي.
أصعد السلم في بطئ كأنما أصعد سلم من الدومينوز المرصوص حركة خاطئة وينهار كل شئ، أصعد بحذر كأنما أصعد على السلم الموسيقي سلمة خاطئة ويعزف الكون لحن السجن.



لا أدري هل استغرقني السلم ضعف ما يستغرقني عادة، أم أن احساسي بالوقت كان يترنح تحت تأثير القلق، وصلت إلى باب الشركة، أخرجت المفتاح - الذي كنت قد سرقته من عم عبدالمولى الفراش منذ شهر فكدت اتسبب في طرده وتغيير الأقفال، ولكني ادعيت أني وجدته في اليوم التالي، ولم يفطن أحد إلى الخدعة - وادخلته في ثقب الباب وأدرته.



تأكدت مجدداً أن لا أحد يراني قبل أن أنسل إلى داخل الشقة – الشركة – ، أغلقت الباب من خلفي، انتظرت قليلاً حتى اعتادت عيناي الظلام وبدأت ترى أشباح الأشياء، كنت أحفظ الطريق إلى مكتبي حيث الخزينة عن ظهر قلب، فتحت الباب الحديدي الذي يميز غرفة الخزينة عن باقي الغرف ثم الباب العادي ودلفت إلى الغرفة.

وقفت أتأمل شبح الخزينة في الظلام، أخترت مفتاح الخزينه، وتقدمت ناحيتها، جثوت على ركبتي، ادرت القرص الأسود دورات محسوبه هي الرقم السري الذي لا يعرفه غيري أنا وزميلي في الغرفة ومدير الشركة، أدخلت المفتاح في ثقب الخزينة وأدرته، ثم أمسكت بالمقبض المعدني وفتحت الباب.



رأيت الأموال مرصوصة على أرفف الخزينة فسرت في جسدي نشوة الوصول، تأملتها قليلاً قبل أن أخرج شنطة " هاند باج" من تحت معطفي وأضعها مفتوحة على الأرض أمام الخزينة، ما أن امتدت يدي إلى أول رزمة حتى سمعت صوت من خلفي يصرخ " توقف !! " إلتفت مفزوعاً فإذا هو .... ضميري.


هناك 3 تعليقات:

  1. هههههههههههههههه .. حلوة :)

    ردحذف
  2. أزال المؤلف هذا التعليق.

    ردحذف
    الردود
    1. حلوة بجد تسلم و بالتوفيق دائما بس صوت الضمير جاى متأخر أوى ^_^

      حذف